تمرد أنثى
ما هو ذنبي، ما الذي فعلته حتى يقوموا بقمعي، ليحاولي اسري، ليجلدوني بالشوؤم، ليرموا بي الى القاع، ليوسموني بالعار، ما هو ذنبي؟ لكي لا استطيع تحقيق حلمي فأنا لم اختر جنسي. ليس من حقكم ان توسموني بالعار فالعار هو تخلفكم، هو جهلكم، هو تقليدكم لأجدادكم رغم معرفتكم بسوء عاداتهم. لن اقع بفخكم، لن اسجن بعاداتكم. سأحقق حلمي رغما عنكم، سأصل لما أريد عاجلاً أم آجلًا فإرادتي اقوى من آوهامكم.
كوني انثى لا يمنعني من بلوغ هدفي، كوني انثى لا يجبرني أن اتخلى عن حلمي وإن شاء الله سأدرك غايتي وسأصبح طبيبةً.
اقترب يوم اختيار التخصص الجامعي بعد أن أنهيت الثانوية العامة وحصلت على معدل مرتفع. لكن عائلتي لا تريد أن اكمل دراستي فعائلتي عائلة شرقية متمسكة بالعادات والتقاليد يرون أن الأنثى خلقت لتكون ربة منزل.
ماذا الذي سأفعله، كيف سأقنعهم، أاذهب للحديث مع أمي لعلها تقنع أبي؟...... لا، ستقول لي انه لا يمكنني الدراسة و عندما اسألها عن السبب ستثير غضبي بتلك الاجابة المشبعة بالعنصرية والممزوجة بالجهل، ستقول لأنكِ أنثى. سأتحدث مع أبي رغم معرفتي بعدم تقبله للفكرة بحجة العيب.
ذهبت لغرفة المعيشة حيث كان ابي جالسًا.
قلت له: أريد التكلم معك في موضوع مهم.
قال: ألا تري أنني أشاهد نشرة الأخبار
- لكنه موضوع مهم
- ماذا تريدين. هيا تكلمي(قالها بتعجرف)
- لقد اقترب موعد اختيار التخصص الجامعي و أري....
- ألم اقل لكِ أن تنسي هذا الموضوع وأنني سأزوجكي لابن عمتك في نهاية هذة السنة لذلك أخرجي هذه الفكرة اللعينة من رأسك(قالها بغضب)
-لكن.....
-ليس هناك لكن. انتهى النقاش
غضب ابي بشدة و كسر المزهرية لكنها لم تكن الشئ الوحيد الذي كُسر، قلبي كُسِر ايضا فأبي يريدني ان ادفن احلامي. ذهبت الى غرفتي وانا أجر حطامي و خيباتي، ذهبت ودموعي عالقة بطرف عيني، اسمع انين روحي، طعنات الآلم تُغرز بقلبي، زخات اليأس بللتني، اسوار الاحباط حاوطتني، التفكير ينهش عقلي فانا لا اريد الزواج بل ارغب بإكمال دراستي.
لكن من يهتم برغباتي فكل ما يهمهم هو كلام الناسِ، ماذا سأفعل؟؟
بعد ساعتين من التفكير والتساؤلات التي جعلت دماغي فتاتًا، خطرت فكرةٌ في بالي، لقد وجدت الحل لكن كيف لي ان اكمل وحدي، بأي طريقة سأجني المال، كيف سأتمكن من التواري عن الأنظار؟ يجب علي أن اهاجر الى دولة اخرى، الى أين سأذهب؟؟ آآآآآه انها فكرة مجنونة ويصعب تنفيذها لكني لا أملك خيارا آخرًا.
إن إحدى صديقاتي تقطن في أبو ظبي بعد أن هاجرت هي وعائلتها قبل عامين وما زلت على تواصل معها سأطلب المساعدة منها.
قمت بإرسال رسالة لها: مرحبًا، كيف حالك؟
قامت بالرد بعد نصف ساعة: اهلا، انا بخير..... كيف حالك أنتِ؟
- الحمدلله..... أريد ان تقدمي لي خدمة
- بكل سرور..... ما هي؟
- قررت أن اهرب من المنزل فأبي يريد أن يزوجني ابن عمتي رغما عني ويرفض فكرة إكمال دراستي.
- ماذا؟!!! هل أنتِ جادة؟! كيف ستهربين؟! ما الذي ستفعلينه؟! اوووه، تبًا ما الذي تقولينه!!
- لقد اتخذت قراري ولن اتراجع عنه، هل تريدين مساعدتي؟
- اللعنة، سأساعدكي.
- جيد، قررت ان أهاجر الى الإمارات و اريد ان تجدي لي وظيفة شاغرة آيًا كانت المهم أن تتناسب مع أوقات دوامي في الجامعه وابحثي لي عن عائلة تريد تأجير غرفة لأني لن أستطيع على دفع إيجار بيتًا كاملًا.
- موافقة، لكن هل تملكين المال الكافي لحجز تذكر؟
-نعم، حجزت تذكرة وستكون الرحلة غدًا فقد كنت اخبئ المال الذي احصل عليه من المسابقات وكنت ادخر مبلغاً من مصروفي.
- جيد
.....
قمت بتوضيب ملابسي وتركت رسالة لأهلي كتبت فيها"انتم من اجبرني على فعل هذا" ثم خرجت من البيتِ وأنا أنظر اليه نظرة بائسة فالنظرة الاخيرة لا تجلب سوى القهر والألم . كنت امشي وحدي، الظلام الحالك يحاصرني، اتعثر بأوجاعي، الكآبة تتغلغل الى اعماقي، انتشر الحزن في خلايا جسمي ، قلبي ينزف بشدة، ضجيج روحي يقودني إلى هلاكي، لقد انهار كياني. لم اتخيل أن طعم رحيل سيكون مأساويًا لهذه الدرجة.
اليوم يوم رحلتي. ذهبت الى المطار و اطياف عائلتي ترافقني، ركبت الطائرة و من شباكها رأيت وطني، الوطن الذي ولدت وكبرت فيه، الوطن الذي انتمي اليه، شريط طفولتي يمر امام عيناي، ذكرياتي الجميلة تجوب المكان، ما اصعب هذا، لقد تمزقت روحي. هبطت الطائرة وكانت صديقتي تنتظرني. عانقتها وكأنني لا املك سواها.....حقًا انا لا املك سواها فقد خسرت ناسي عندما جعلت الهربَ قراري.
بدأت بالعمل كنادلة في إحدى المقاهي وقطنت مع عائلة لطيفة أحببتهم وأحبوني. سجلت في الجامعة في كلية الطب، لكنِ لم استطع تسديد أقساط الجامعة بالراتب الذي احصل عليه من المقهى فبحثت عن عملٍ آخر.
كانت ايام دراسة شاقة ومتعبة وبذات الوقت كانت ممتعه وجميلة فقد اكتسبت صديقات جديدات وأصبحن بمنزلة الأخت لي، خضت مغامرات غريبة والأهم من ذلك هو دراستي للطب فالطب جميلٌ جدًا، جميل بحجم السماء، الطب هو حلمي وطموحي وغايتي، هو هدفي منذ الصغرِ.
ها قد آتى يوم التخرج بعد أن أنهيت دراستي بشقِّ الأنفس. رغم المصاعب التي واجهتني، رغم لهيب الشوق الذي كان يأكل قلبي، رغم ضياعي في متاهات الحياةِ، رغم عبق الغربةِ، رغمًا عن كل عائق وقف في طريقي فقد صارعت المعناة، تخبطت بنوبات الندم، حاربت في مكانٍ لا أعرفه، عشت المعاناة، تعثرت ونهضت، َبكَيْت و ضَحِكت، هزمت و انتصرت، لقد واجهت كل الذي حدث لوحدي. اليوم هو يومي، سأجني ثمار تعبي، سأفتخر بنفسي، سأرفع رأسي عاليا نحو السماء فقد حققت حلمي.

1 تعليقات
حبيبتي توتو
ردحذفارق بنوته قابلتها🌷
كتابتك حلوه و كلها ابداع و جمال ♥️
الى الامام يا قمررررر🌸